بسام الحجيلي من الأرياف النمساوية: الصفاء الذهني هو "رأس المال" الحقيقي للقادة

النمسا – حوار: التحرير الاقتصادي (الديرة توداي) السيد ابراهيم

بينما تكتسي جبال الألب والريف النمساوي بحلتها البيضاء، حيث يسكن الهدوء وتتوقف عجلة الضجيج، برزت رؤية اقتصادية مختلفة قدمها رائد الأعمال بسام الحجيلي في لقاء مطول مع “الديرة توداي”. لم يكن الحوار مجرد سرد لقصص النجاح التقليدية، بل كان “تشريحاً” واقعياً لمستقبل الاستثمار الناشئ، ومحاولة لتقديم إجابات عملية على تساؤلات جيل جديد من رواد الأعمال الذين يواجهون أسواقاً تتسم بالغموض والتقلب.

يرى الحجيلي أن “المكان” ليس مجرد جغرافيا، بل هو حالة ذهنية تنعكس على جودة القرار الاستثماري. ومن هذا المنطلق، انطلق الحوار ليتشعب في ملفات الإدارة، التكنولوجيا، الثقافة المؤسسية، والتوازن بين الطموح المهني والراحة النفسية.


المحور الأول: اقتصاد “الجوهر” لا “المظهر”

بدأ الحجيلي حديثه لـ “الديرة توداي” بتوجيه نقد بناء لظاهرة “النمو الوهمي” التي اجتاحت قطاع الشركات الناشئة مؤخراً. يقول الحجيلي: “لقد عشنا سنوات كانت فيها قيمة الشركة تُقاس بحجم الجولات التمويلية والصخب الإعلامي، لكننا اليوم نشهد عودة قوية لاقتصاد الجوهر. الشركة الناجحة هي التي تمتلك تدفقات نقدية حقيقية، ونموذج عمل قادراً على الصمود دون الحاجة المستمرة لضخ خارجي.”

ويضيف: “نصيحتي لكل شاب يبدأ مشروعه: لا تنبهر بالأرقام الكبيرة على الورق. ابحث عن (الوحدة الاقتصادية الربحية) منذ اليوم الأول. إذا كان منتجك لا يحقق ربحاً في صورته المصغرة، فلن يحقق المعجزات عند التوسع.”


المحور الثاني: البيئة المحفزة كأداة استراتيجية

من وحي موقعه في الريف النمساوي، تطرق الحجيلي إلى مفهوم “بيئة العمل المحفزة”. وأوضح أن الكثير من الشركات تخسر كفاءاتها ليس بسبب الرواتب، بل بسبب “التلوث الإداري”.

استراتيجية الإنتاجية الهادئة: أكد الحجيلي أن منح الفريق مساحة من الحرية والعمل في بيئات تتسم بالهدوء (سواء كان ذلك عبر العمل عن بُعد أو تصميم مكاتب ذكية) يرفع من معدلات الإبداع بنسبة تتجاوز 40%. “الإبداع لا ينمو تحت الضغط المستمر والمراقبة اللحظية؛ المبدع يحتاج إلى أفق واسع، تماماً مثل هذا الأفق الذي نراه هنا في أعالي الجبال. عندما يشعر الموظف بالثقة والهدوء، يتحول من (منفذ للأوامر) إلى (شريك في النجاح).”


المحور الثالث: الرقمنة والذكاء الاصطناعي.. حليف أم منافس؟

في قسم خاص من الحوار، تناول الحجيلي ملف التحول الرقمي. ويرى أن الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً للوظائف بقدر ما هو أداة لتعظيم مهارات البشر. “في مؤسساتنا، يجب أن نتوقف عن سؤال (كيف نوفر التكاليف باستخدام التقنية؟) ونبدأ بسؤال (كيف نستخدم التقنية لزيادة جودة مخرجاتنا؟).”

وأشار إلى أن رائد الأعمال الذكي هو من يستثمر في تقنيات “الأتمتة” ليتفرغ هو وفريقه للتفكير الاستراتيجي وبناء العلاقات الإنسانية مع العملاء، وهي المنطقة التي لا يمكن للآلة أن تتفوق فيها.


المحور الرابع: سيكولوجية القائد وتحدي الاحتراق الوظيفي

انتقل الحوار مع “الديرة توداي” إلى جانب إنساني عميق، وهو الصحة النفسية لرواد الأعمال. يقول الحجيلي بكثير من الصراحة: “الاحتراق الوظيفي هو القاتل الصامت للمشاريع. رائد الأعمال الذي يفتخر بأنه يعمل 20 ساعة يومياً هو في الحقيقة يدمر أهم أصول شركته: عقله.”

نصائح الحجيلي لاستعادة التوازن:

  1. العزلة الاستراتيجية: خصص وقتاً في العام للابتعاد التام عن العمل، لتتمكن من رؤية “الصورة الكبيرة”.

  2. التفويض الذكي: إذا كنت تفعل كل شيء بنفسك، فأنت لا تملك شركة، بل تملك وظيفة مرهقة. تعلم كيف تفوض المهام لتتفرغ للقيادة.

  3. الاستثمار في الصحة: العقل السليم في الجسم السليم ليست مجرد حكمة مدرسية، بل هي ضرورة مهنية لضمان صفاء الذهن في الأزمات.


المحور الخامس: رسائل ملهمة لجيل الشباب

اختتم بسام الحجيلي لقاءه مع “الديرة توداي” بوضع خارطة طريق مبسطة للمبتدئين، تتلخص في النقاط التالية:

  • لا تتبع الموجة: إذا كان الجميع يتجه نحو قطاع معين، فربما فاتك الأوان. ابحث عن الفجوات غير المرئية.

  • بناء السمعة قبل الثروة: في عالم الأعمال، اسمك هو عملتك الأقوى. الصدق مع الموردين والعملاء والموظفين يبني إمبراطورية تدوم طويلاً.

  • التعلم المستمر: السوق يتغير كل يوم. رائد الأعمال الذي يتوقف عن القراءة والبحث والتعلم، يبدأ مشروعه في العد التنازلي للنهاية.ريادة الأعمال هي سباق ماراثون، وليست عدواً سريعاً. الفوز ليس لمن يصل أولاً، بل لمن يستطيع الاستمرار حتى النهاية وهو محتفظ بشغفه وقيمه.” – بهذه الكلمات ختم بسام الحجيلي حواره الحصري، تاركاً خلفه دروساً تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى كل طامح يسعى لترك أثر حقيقي في عالم المال والأعمال.

 

Deerah Today

اقوى الاخبار اليومية الحصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى