كتب – محمد نبيل
في حوار خاص وحصري جمع منصة “الديرة توداي” مع صانع المحتوى والرحالة الشهير عبد الملك السوادي، فتح السوادي قلبه ليتحدث عن تفاصيل رحلته الأخيرة واستكشافه الاستثنائي لإحدى درر المملكة العربية السعودية وأكثرها إبهاءً للأبصار: مدينة العُلا التاريخية، وتحديداً موقع “الحِجْر” (مدائن صالح) الذي يمثل أول موقع سعودي يُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وأكد عبد الملك السوادي خلال اللقاء أن الوقوف أمام شواهد العُلا العملاقة الممتدة عبر آلاف السنين يغير مفهوم السفر والاستكشاف لدى أي رحالة؛ حيث تصبح الزيارة رحلة عبر الزمن تتجاوز حدود التقاط الصور السريعة أو المرور الخاطف بين الصخور، لتتحول إلى معايشة حقيقية وجدانية تستحضر أسرار الحضارات النبطية القديمة وجمال الطبيعة الصحراوية المذهلة.
وحول هذه التجربة الفريدة، استعرض السوادي مجموعة من النصائح الجوهرية والتوجيهات الذهبية الموجهة لكل رحال وصانع محتوى يسعى لنقل جمال التراث السعودي والمعالم الأثرية برؤية وعمق يفرضان احترام المتابع وتفاعله:
1. الفهم العميق لحضارة المكان وتاريخه
أوضح السوادي أن إعداد المحتوى الناجح يبدأ قبل الوصول إلى الموقع بأسابيع. فقبل أن تضع قدمك في العُلا أو تفتح عدسة الكاميرا، عليك بالقراءة المتأنية والاستغوار في تاريخ الأنباط والدادانيين واللحيانيين، وفهم كيفية نحت هذه الجبال وتشييد هذه المقابر الضخمة وسط الصحراء. المعلومة التاريخية الدقيقة الممزوجة بالقصة الإنسانية هي ما يمنح المشهد قيمته الحقيقية ويرفع المحتوى من مجرد صورة جافة إلى حكاية ممتعة تثري عقل المتابع.
2. الاندماج الحقيقي مع المجتمع المحلي
شدد الرحالة السوادي على أن الروح الحقيقية لأي معلَم أو مدينة لا تكتمل إلا بأهلها. إن التواصل مع أهالي العُلا، والحديث مع الرواة والمرشدين السياحيين المحليين (الراوي)، والاستماع إلى حكاويهم الموروثة أباً عن جَد، يضيف للمحتوى بعداً إنسانياً دافئاً لا يمكن لأي كتاب أو دليل سياحي أن يقدمه. الإنسان السعودي بكرمه وروايته الشفهية هو السر الحقيقي وراء جمال التجربة السياحية.
3. التركيز على زوايا التفاصيل غير المعتادة
ينصح السوادي بعدم الاكتفاء باللقطات البانورامية الواسعة التي يعاد تكرارها آلاف المرات على منصات التواصل، بل يجب على الرحالة البحث عن “التفاصيل الخفية”. في العُلا مثلاً، يكمن السحر في دقة الزخارف النبطية المنحوتة أعالي المقابر، وفي طريقة انعكاس أشعة الشمس عند الغروب على صخرة الفيل، وفي حركة الضوء والظل داخل الممرات الصخرية الضيقة. هذه التفاصيل هي ما يصنع بصمة خاصة ومختلفة لكل صانع محتوى.
4. نقل الشعور والانطباع الصادق للمتابع
أكد عبد الملك السوادي أن الجمهور اليوم لم يعد يبحث عن المشاهد المجملة والمعدلة بشكل مبالغ فيه، بل يفتش عن الصدق والعفوية. نقل مشاعر الهيبة، والذهول، والانبهار لحظة الوقوف أمام قصر الفريد أو السير في البلدة القديمة بالعُلا، يشرك المتابع في الحالة الشعورية للرحلة، ويجعله يشعر وكأنه يسير جنباً إلى جنب مع الرحالة في نفس المكان والزمان.
5. الاستدامة واحترام أصلانية البيئة والمكان
ختم السوادي نصائحه بضرورة تحلي صانع المحتوى بالمسؤولية الأخلاقية والسياحية الواعية. فالمحافظة على المكون الطبيعي والأثري للعُلا، والالتزام بالتعليمات والمسارات المحددة دون الإضرار بالآثار أو التعدي على الطبيعة الصحراوية، هو الواجب الأهم لضمان استدامة هذه الكنوز الوطنية ليراها العالم ويستمتع بها وتتناقلها الأجيال القادمة بنفس رونقها وبهائها.
ختام اللقاء: واختتم عبد الملك السوادي حواره مع “الديرة توداي” بالإعراب عن فخره واعتزازه بالنقلة النوعية والحراك السياحي الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أن العُلا ليست سوى نموذج واحد من عشرات الوجهات السعودية الساحرة التي تنتظر الرحالة وصنّاع المحتوى لاكتشاف أسرارها وإبرازها للعالم بأسلوب يستحق عظمة المكان وتاريخه.







