باسم محمود
في عالم الفروسية، لا تكفي المهارات الحركية وحدها لصناعة فارس ناجح؛ فالعلاقة بين الإنسان والجواد تتجاوز حدود القوة البدنية أو الأوامر الصوتية لتصل إلى مستوى عميق من التخاطب النفسي والحدسي. وفي هذا اللقاء الخاص، تُسلط مدربة الفروسية المعتمدة دانه سليمان، المعروفة بلقب “بنت جميرا”، الضوء على قاعدة أساسية وحاسمة في تعامل الفارس مع جواده.
النصيحة الجوهرية: اكشف عن حقيقتك ولا تتظاهر بما لا تعيشه
تنطلق دانه سليمان من خبرتها الميدانية الطويلة لتؤكد حقيقة لا تقبل الجدل لكل مبتدئ ومحترف في عالم الخيل، وتلخصها في توجيه ذهبي قائلة:
لا تحاول أبداً إخفاء توترِك أو خوفِك عن حصانك، فالخيل تقرأ لغة جسدك ونواياك الداخلية قبل أن تلمس اللجام؛ فالحصان هو مرآتك الحقيقية التي تعكس حالتك النفسية بدقة متناهية.”
وتشرح “بنت جميرا” هذا المبدأ بعمق، موضحة أن الكثير من الفرسان يقعون في فخ محاولة التظاهر بالصلابة والشجاعة الظاهرية أمام خيولهم بينما تعج دواخلهم بالقلق، أو التوتر العصبي، أو الخوف المكتوم. غير أنهم يغفلون عن حقيقة بيولوجية وفطرية؛ فالحصان ككائن فريسة طوّر عبر ملايين السنين حواس استثنائية وبحوثاً غريزية فائقة للبقاء، تجعله قادراً على استشعار أصغر تغير في نبضات الطاقة المحيطة به وفي لغة الجسد الدقيقة للإنسان.
عندما يصبح التوتر خطراً خفياً
توضح دانه أن الحصان لا يفهم الكلمات التي تقولها، بل يترجم تماماً ما تشعر به في تلك اللحظة. حين يقترب الرجل أو الفتاة من الجواد وهو يحمل خوفاً مخفياً أو توتراً عصبياً غير مُدار، يشعر الجواد فوراً بأن هناك خطراً ما غامضاً ومحيطاً، وبما أنه لا يستطيع تحديد مصدر هذا الخطر، فإنه يربطه تلقائياً بالشخص الواقف أمامه.
هذا الشعور المفاجئ بفقدان الأمان يدفع الحصان حتماً إلى ردود أفعال دفاعية، كالتمرد، أو الرفض، أو الهروب، أو العناد المبالغ فيه أثناء التدريب. ومن هنا يحدث الصدام الذي ينسبه الكثيرون خطأً إلى “عناد الحصان”، بينما هو في حقيقته انعكاس مباشر لانفعال الفارس الداخلي غير المُسيطر عليه.
السيطرة الداخلية كخطوة أولى
تؤكد المدربة دانه سليمان أن الدرس الأهم والأسبق لأي تمرين ميداني هو تعلم السيطرة على النفس وتصفية الذهن. الفارس الحقيقي هو الذي يتعلم كيف يصل إلى حالة من الهدوء الداخلي، والثبات الانفعالي، والوضوح التام قبل أن يقترب من مربط الحصان أو يمسك باللجام.
فحين يكون الفارس صادقاً مع نفسه ومع جواده، وحين تتماشى مشاعره الداخلية تماماً مع حركاته الخارجية الهادئة، يمنح ذلك الجواد شعوراً عميقاً بالطمأنينة والأمان. وعندما يشعر الحصان بالأمان، يتلاشى الخوف وتذوب المقاومة، ليتحول التدريب حينها إلى شراكة حقيقية قائمة على الثقة المطلقة والانصياع الطوعي.







