منال محسن
في عصر أصبحت فيه الحسابات الرقمية امتداداً لشخصيتنا، ومستودعاً لأسرارنا، وأحياناً مصدراً لدخلنا ورزقنا، يظل الأمن الرقمي أحد أهم الموضوعات التي تشغل بال الجميع. فبين ليلة وضحاها، قد يجد المستخدم نفسه مجهول الهوية على شبكة الإنترنت بعد الاستيلاء على حساباته وتغيير بياناته، ليخسر جهود سنوات أو يتعرض لابتزاز وحرج شديدين.
وفي لقاء خاص مع صحيفة “الديرة تداي”، سلط صانع المحتوى والخبير المتخصص في وسائل التواصل الاجتماعي ادم محمد، الضوء على أبرز المخاطر التي تواجه المستخدمين اليوم، وكيفية حماية وجودهم الرقمي، موضحاً لماذا يُعتبر الاعتماد على “كلمة السر” وحدها خطأً جسيماً يتكرر يومياً.
وهم كلمة السر القوية
أوضح ادم محمد أن الوهم الأكبر الذي يقع فيه معظم مستخدمي الإنترنت هو الاعتقاد بأن كتابة كلمة سر معقدة تحتوي على رموز وأرقام وحروف كبيرة وصغيرة تضمن الأمان المطلق. وأكد أن الحقيقة العلمية والواقعية أثبتت أن “كلمة السر لوحدها لا تكفي إطلاقاً”.
وأشار الخبير الرقمي إلى أن الهجمات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على تخمين كلمة السر أو الهجمات التقليدية، بل تطورت الأساليب بشكل كبير لتشمل “الهندسة الاجتماعية”، وصفحات التثقيب والروابط المزيفة (Phishing)، بالإضافة إلى تسريبات قواعد البيانات. وأضاف أنه في حال إدخال كلمة السر القوية في صفحة مزيفة تشبه المنصات الشهيرة، أو في حال تسريب قاعدة بيانات موقع قديم يُستخدم فيه نفس كلمة السر، فإن قوة كلمة السر تصبح بلا قيمة، حيث تُقدَّم الهوية الرقمية للمخترق على طبق من ذهب.
المصادقة الثنائية (2FA): جدار الحماية الأول
وشدد ادم محمد على أن الحل الأساسي والركيزة الأولى في الأمن الرقمي اليوم هو تفعيل ميزة المصادقة الثنائية (Two-Factor Authentication – 2FA).
وبين أن المصادقة الثنائية هي ببساطة جدار حماية إضافي يُضاف بعد خطوة إدخال كلمة السر، حيث تعتمد على مبدأ دمج “شيء تعرفه” (كلمة السر) مع “شيء تمتلكه” (الهاتف أو تطبيق توليد الرموز). وعند تفعيل هذه الميزة، حتى لو استطاع شخص ما الحصول على كلمة السر، فإنه لن يستطيع الدخول إلى الحساب إلا بعد إدخال الرمز الثاني المتغير الذي يصل إلى الهاتف أو يُوَلَّد عبر التطبيق، وهو ما يغلق الباب أمام أكثر من 95% من محاولات الاختراق الشائعة.
طرق تطبيق المصادقة الثنائية وأيها الأفضل
واستعرض ادم محمد الوسائل المختلفة لتطبيق المصادقة الثنائية ودرجات أمانها:
-
الرسائل النصية (SMS): وهي الطريقة الأكثر شيوعاً حيث يصل رمز عبر SMS عند التسجيل. ورغم أنها أفضل من عدم تفعيل الميزة مطلقاً، إلا أنها تُعتبر الأقل أماناً بين خيارات المصادقة الثنائية، نظراً لإمكانية اعتراض الرسائل أو القيام بشريحة بدل فاقد عبر هجمات (SIM Swapping).
-
تطبيقات توليد الرموز (Authenticator Apps): مثل Google Authenticator أو Microsoft Authenticator أو Authy. وتُولّد هذه التطبيقات رمزاً أمنياً مؤقتاً يتغير كل 30 ثانية دون الحاجة لشبكة جوال أو إنترنت، وتُعد الطريقة الأكثر توازناً وأماناً للمستخدمين.
-
مفاتيح الأمان الفيزيائية (Security Keys): مثل قطع YubiKey، وهي عبارة عن قطعة USB تتصل بالهاتف أو الكمبيوتر ولا يتم الدخول إلا بالضغط عليها، وتوفر أعلى مستويات الأمان المطلق للشخصيات العامة وصُنّاع المحتوى والصحفيين.
دليل عملي للأمان الرقمي
وقدم خبير التواصل الاجتماعي من خلال “الديرة تداي” مجموعة من النصائح المتكاملة لتشكيل درع أمني لكل مستخدم:
-
تفعيل الـ 2FA فوراً: عدم تأجيل الخطوة، والبدء فوراً بتفعيل المصادقة الثنائية على كافة الحسابات (واتساب، إنستغرام، فيسبوك، إكس، جي ميل) باستخدام تطبيقات Authenticator.
-
حفظ رموز الاسترداد (Backup Codes): طباعة أو كتابة الرموز الاحتياطية التي تمنحها المنصات في دفتر خارجي آمن، لكونها المنقذ الوحيد في حال فقدان الهاتف.
-
تحديث بيانات الاسترداد: التأكد من إمكانية الوصول إلى البريد الإلكتروني المربوط بالحسابات دائماً، وأن رقم الهاتف المربوط هو الرقم الحالي الفعال.
-
الحذر من الروابط المشبوهة: تجنب الضغط على الروابط الواردة في الرسائل الخاصة أو البريد التي تدعي قرب إغلاق الحساب أو تطلب تأكيد الهوية، إذ إن الشركات الرسمية لا تطلب كلمات السر أو الرموز عبر الرسائل.
-
استخدام مدير كلمات السر (Password Manager): تجنب تكرار كلمة السر ذاتها على أكثر من منصة، والاستعانة بأدوات إدارة كلمات السر لإنشاء وحفظ كلمات سر فريدة ومعقدة لكل حساب.
اختتم ادم محمد حديثه مع “الديرة تداي” بالتأكيد على أن الأمان الرقمي هو ثقافة وممارسة مستمرة وليس مجرد إعداد يتم ضبطه مرة واحدة. ومع تطور التكنولوجيا وتجدد أساليب الاحتيال، يبقى الوعي وانتباه المستخدم وتطبيق أساسيات الحماية مثل المصادقة الثنائية الخطوة الأهم للتقدم دائماً على أي محاولة اختراق.







