ذهب الصحراء الأبيض".. المستثمر مطلق العتيبي يحلل التحول الدراماتيكي للإبل من "موروث شعبي" إلى "أصول استثمارية سيادية"

الرياض – حوار: عادل منصور

في قلب العاصمة الرياض، حيث تلتقي الأصالة بحداثة الرؤية، استضافت منصة “الديرة توداي” أحد أبرز الوجوه الشابة والمؤثرة في قطاع الاستثمارات التقليدية والمستحدثة، رائد الأعمال والمستثمر السعودي مطلق العتيبي. في هذا اللقاء، لم يكن الحديث مجرد سرد لذكريات موروث شعبي، بل كان أشبه بـ “مانيفستو” اقتصادي يفتح الآفاق نحو قطاع الإبل الذي بات يشكل ركيزة هامة في تنويع مصادر الدخل القومي للمملكة العربية السعودية.

أكد العتيبي خلال حديثه المستفيض أن قطاع الإبل يمر بمرحلة “هيكلة اقتصادية وتاريخية شاملة”، انتقلت به من دائرة “الهواية الفردية” إلى فضاء “الاستثمار المؤسسي الممنهج”، مما جعل منه واحداً من أكثر القطاعات جذباً لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030.


الإبل.. “الذهب الحي” والتحول نحو الأصول السيادية

استهل حديثه بتسليط الضوء على النقلة النوعية التي شهدها السوق السعودي، قائلاً: “يجب أن ندرك أولاً أننا لا نتحدث عن مجرد تجارة حلال، نحن نتحدث عن (أصول سيادية حية). لم تعد الإبل اليوم مجرد فخر قبلي أو موروثاً شعبيًا نعتز به فحسب، بل أصبحت محفظة استثمارية متحركة تضاهي في عوائدها السنوية كبرى القطاعات العقارية والأسهم المدرجة”.

وأضاف العتيبي موضحاً فلسفته في وصف الإبل بـ “الذهب الحي”: “الذهب معدن جامد، لكن الإبل أصل ينمو، يتكاثر، ويتطور جمالياً. القيمة السوقية لبعض السلالات والنوادر تشهد قفزات سنوية تتجاوز بمراحل نسب التضخم العالمي، مما يجعلها الملاذ الآمن والذكي للمستثمر الذي يمتلك الفراسة وبعد النظر”.


تفكيك شيفرة النجاح: كيف تصنع استثماراً مليونياً؟

ورداً على سؤال “الديرة توداي” حول “خارطة الطريق” للراغبين في دخول هذا المعترك الملياري دون الوقوع في عثرات البدايات، وضع العتيبي عدة ركائز استراتيجية عميقة:

1. عقيدة “الكيف فوق الكم” (Quality over Quantity)

أوضح العتيبي أن عصر “العدد الكبير” قد انتهى، وحل محله عصر “التميز النوعي”. يقول العتيبي: “السوق الحالي هو سوق النخبة. امتلاك (ناقة) واحدة تحمل مواصفات جمالية نادرة وسلالة مثبتة، خير من امتلاك مئات الرؤوس العادية التي تستهلك التكاليف التشغيلية دون عائد حقيقي. الندرة في تفاصيل الجمال، مثل (عرنون) الأنف، وطول الرقبة، واتساع النحر، هي المحركات الحقيقية للملايين في الصفقات الكبرى التي نراها اليوم”.

2. المأسسة والتوثيق: نادي الإبل كصمام أمان

أشاد العتيبي بالدور الريادي والجبار الذي يلعبه نادي الإبل برئاسة الشيخ فهد بن فلاح بن حثلين، مؤكداً أن الأنظمة الجديدة والتوثيق بالشرائح الإلكترونية والسجلات الوراثية قد نقلت القطاع من العشوائية إلى الانضباط العالمي. ونصحت “الديرة توداي” قراءها عبر نصيحة العتيبي بضرورة “الفحص القانوني والوراثي” قبل ضخ أي مبالغ، حيث قال: “اليوم، المستثمر الذكي يشتري (سجلاً وراثياً) قبل أن يشتري (جسداً)، فالتوثيق هو الذي يضمن حقوق الأجيال ويحفظ قيمة الاستثمار عند إعادة البيع”.

3. الاستثمار في “الفحول” (هندسة الإنتاج)

كشف العتيبي عن سر مهني يعتبره “مفتاح الثراء” في هذا القطاع، وهو الاستثمار في الفحول المنتجة. وفسّر ذلك بقوله: “الفحل هو القوة الضاربة في المنقية. عندما تمتلك فحلاً يورث الجمال والندرة، فأنت تمتلك (ماكينة إنتاج) ترفع قيمة المراح بالكامل بنسب مئوية هائلة. الاستثمار في الفحل هو استثمار في المستقبل، وهو ما يضمن استمرارية الجودة والمنافسة في المهرجانات الكبرى لسنوات طويلة”.


اقتصاديات “مهرجان الملك عبد العزيز” والوصول للعالمية

تطرق الحوار إلى التأثير الاقتصادي للمهرجانات الكبرى، حيث أشار العتيبي إلى أن “مهرجان الملك عبد العزيز للإبل” لم يعد مجرد تجمع للتنافس، بل أصبح “منصة تداول عالمية”. وأوضح أن المهرجان خلق وظائف وفرصاً استثمارية في قطاعات رديفة مثل النقل، الأعلاف المتطورة، الرعاية البيطرية المتقدمة، وحتى التسويق الرقمي للإبل.

وقال العتيبي لـ “الديرة توداي”: “المهرجان هو (نازداك) الإبل. هناك تُحدد القيم السعرية، وهناك تُعقد الصفقات الكبرى التي لفتت أنظار المستثمرين الدوليين. نحن نرى الآن اهتماماً من دول خارج الإقليم، وهذا كله بفضل التنظيم الاحترافي والدعم اللامحدود من مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين”.


الرعاية التقنية والاستدامة: “العلم في خدمة الأصالة”

وفي محور تقني هام، شدد العتيبي على ضرورة دمج العلم الحديث في تربية الإبل. وانتقد الممارسات التقليدية التي قد تضر بالحلال، داعياً إلى تبني أنظمة غذائية مبرمجة ورعاية طبية وقائية. وأكد أن “صحة الناقة” هي جزء من قيمتها، وأن المستثمر الذي يهمل الجانب البيطري والتقني يغامر بخسارة أصوله.


المسؤولية الاجتماعية: الإبل كرسالة وطنية

بعيداً عن الأرقام ولغة المال، لم يخلُ حديث مطلق قشعان العتيبي من البعد الوطني العميق. أكد العتيبي لـ “الديرة توداي” أن دافعه لخوض غمار هذا المجال هو “رسالة انتماء”. قال بنبرة ملؤها الفخر: “رسالتنا تتجاوز الربح المادي؛ نحن هنا لنقل (الأصالة السعودية) للعالم. كل مستثمر في الإبل هو في الحقيقة (سفير لتراثنا)، يساهم في إبقاء هذه الهوية حية ومتطورة لتواكب العصر”.

ودعا العتيبي الشباب السعودي الطموح إلى عدم التردد في دخول هذا المجال، مؤكداً أن الفرص المتاحة الآن “تاريخية ولن تتكرر”، شريطة أن يقترن الطموح بالتعلم والصبر والمصداقية التجارية.


خاتمة الحوار: رؤية للمستقبل

اختتم مطلق قشعان العتيبي لقاءه مع “الديرة توداي” بتفاؤل كبير، مؤكداً أن قطاع الإبل سيشهد في السنوات الخمس القادمة طفرة “تكنولوجية واستثمارية” لم يسبق لها مثيل، مع دخول تقنيات التتبع والبورصات الإلكترونية المتخصصة.

وقال كلمته الأخيرة: “نحن لا نبيع ونشتري في تاريخنا، بل نستثمر في حاضرنا لنبني مستقبلاً اقتصادياً يليق بمكانة المملكة العربية السعودية كقائدة لهذا القطاع عالمياً. وبإذن الله، ستظل الإبل رمزاً لشموخنا ورافداً قوياً لاقتصادنا الوطني”.

Deerah Today

اقوى الاخبار اليومية الحصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى