
ايطاليا – الديرة توداي – كتب ياسر فاروق
في عالم تضج فيه منصات التواصل الاجتماعي بملايين الأصوات، يبرز التحدي الحقيقي في القدرة على “البقاء” والتأثير الفعلي في حياة الناس. بين هؤلاء، استطاع مصطفى محمد، الشهير بلقب “السويسي”، أن يحجز لنفسه مساحة خاصة جداً، ليس بفضل الإبهار البصري أو المحتوى المثير للجدل، بل من خلال “الكلمة الطيبة” والنصيحة التي تلمس واقع المواطن البسيط.
في هذا اللقاء الممتد مع “الديرة توداي”، نفتح آفاق الحوار حول فلسفة التأثير، وكيف يتحول الشخص من صاحب تجربة ذاتية إلى وجه يثق فيه الآلاف، مع استعراض رؤيته لمستقبل المحتوى التوعوي وأهمية توثيق الحضور الرقمي لضمان وصول الرسالة الصادقة.
البدايات: من الشارع إلى الشاشة
لم يبدأ مشوار ضيفنا من استوديو مجهز، بل بدأت الحكاية من الاحتكاك اليومي بالناس، ومن صراعات العمل وتفاصيل الحياة التي يعيشها كل شاب مكافح. يوضح خلال حديثه إلينا: “أنا ابن هذا الواقع، ولدت وتعلمت في مدرسة الحياة قبل أي مدرسة أخرى. كنت أرى مواقف يومية تستفزني أو تعلمني درساً، فكنت أقول لنفسي: لماذا لا أشارك هذه الدروس مع غيري؟ لعلها تنقذ شخصاً من خطأ وقعتُ فيه أنا أو غيري.”
هذه العفوية كانت المفتاح الأول للقبول. فالمتابع اليوم أصبح يمتلك “راداراً” طبيعياً يكشف الزيف؛ فهو لا يريد شخصاً ينظر عليه من برج عاجي، بل يريد أخاً أو صديقاً يتحدث بلسانه ويشعر بأوجاعه وطموحاته، وهو ما نجح صانع المحتوى في تحقيقه ببراعة.
فلسفة النصيحة: “أمانة قبل أن تكون شهرة”
وعن تحوله لتقديم التوجيه للآخرين، يشير إلى أن الأمر لم يكن مخططاً له كمهنة، بل كمسؤولية اجتماعية. ويضيف: “النصيحة في زمننا هذا أصبحت عملة نادرة. الكثيرون يتكلمون، لكن القليلين ينصحون بصدق. عندما أقف أمام الكاميرا، أتذكر دائماً أن هناك شاباً قد يبني قراراً مصيرياً بناءً على كلمة أقولها، وهذا ما يجعلني أتردد كثيراً قبل نشر أي فيديو حتى أكون متأكداً من نفع ما أقدمه.”
ويرى المتحدث أن “النصيحة” لكي تصل، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: الصدق، التوقيت المناسب، والأسلوب اللين. ويؤكد أن الهجوم أو التنظير لا يبني وعياً، بل ينفر الناس، لذا يحرص دائماً على أن يكون أسلوبه خفيفاً على القلب وقريباً من لغة الشارع الدارجة.
قواعد النجاح: رؤية من قلب الواقع
خلال لقائنا في “الديرة توداي”، استخلصنا مجموعة من الركائز العميقة التي يوجهها للشباب، والتي تعكس نضجاً فكرياً واجتماعياً اكتسبه عبر السنين:
1. استعادة قيمة “الأصول” في المعاملات
يشدد ضيفنا على أن أزمة العصر الحالية هي “أزمة أخلاق ومعاملات”. وينصح متابعيه دائماً بأن “الرجولة أفعال وليست أقوال”. يقول: “سوق العمل والحياة الشخصية يقومان على السمعة. إذا فقدت سمعتك أو أخلفت وعدك، فقدت كل شيء. الأصول ليست كلاماً قديماً، بل هي دستور النجاح المستدام الذي لا يتغير بتغير الأزمان.”
2. التعامل مع “الفشل” كوقود للتطور
يوجه رسالة لكل محبط: “لا يوجد نجاح بدون عثرات. الفرق بين الناجح والفاشل هو أن الأول اعتبر العثرة درساً، والثاني اعتبرها نهاية الطريق.” وينصح الشباب بضرورة التحلي بالصبر، مؤكداً أن “الرزق السريع” غالباً ما يذهب سريعاً، بينما النجاح الذي يُبنى خطوة بخطوة هو الذي يبقى ويثمر.
3. الذكاء في اختيار “الدائرة المقربة”
من أكثر النقاط التي يكررها في محتواه هي ضرورة انتقاء الأصدقاء والمحيطين. “أنت نتيجة لخمسة أشخاص تقضي معهم معظم وقتك. إذا كان محيطك سلبياً، فستغرق معهم بلا شك. ابحث عن الناجحين، عن أصحاب الطموح، حتى لو كنت أقلهم شأناً الآن، فسترتفع معهم تدريجياً.”
4. التوازن بين الطموح والرضا
يرى أن السعي خلف المال والشهرة مشروع تماماً، لكن بشرط ألا يفقد الإنسان “سلامه النفسي”. وينصح الناس بالرضا بما قسمه الله مع استمرار السعي الجاد، لأن الطمع يعمي البصيرة ويجعل الإنسان يعيش في تعاسة دائمة مهما تضاعفت ممتلكاته.
مواجهة تحديات الفضاء الرقمي و”ضريبة الشهرة”
لم يخلُ الحوار من التطرق للصعوبات التي واجهها صاحب التجربة، من نقد هدام أو محاولات للتقليل من قيمة محتواه. وعن هذا يقول: “الشهرة سلاح ذو حدين. هناك من يحبك ويدعو لك، وهناك من يحاول إحباطك. تعلمت ألا ألتفت إلا للنقد البناء الذي يطور من أدائي، أما الهجوم الشخصي فأقابله بالابتسامة والاستمرار في العمل الهادف.”
كما تناول ظاهرة الحسابات الوهمية التي تتحدث باسمه، مؤكداً أن هذا هو الدافع الرئيسي للسعي نحو توثيق الحسابات الرسمية. فالهدف ليس التباهي بالعلامة الزرقاء، بل هو حماية للمتابعين من الوقوع في فخ نصيحة خاطئة أو استغلال مادي من شخص ينتحل هويته. التوثيق هنا هو بمثابة “عقد ثقة” بين المؤثر وجمهوره.
دور المؤثر في بناء الوعي المجتمعي
يعتقد ضيف “الديرة توداي” أن المؤثر الحقيقي هو “جندي اجتماعي” في المقام الأول. ويضيف: “نحن نعيش في مرحلة انتقالية، والشباب بحاجة لمن يوجههم بصدق بعيداً عن زيف الشاشات. دوري لا يتوقف عند تصوير فيديو، بل يمتد للمشاركة في المبادرات الإيجابية، ودعم المواهب الشابة، ونشر الوعي حول القضايا التي تهم المجتمع وتعزز استقراره.”
وعن الخطط المستقبلية، تم الكشف عن نية لتطوير المحتوى ليصبح أكثر تخصصاً في مجالات ريادة الأعمال للشباب الطموح، وتقديم سلسلة “تجارب حية” تسلط الضوء على نماذج كافحت ونجحت من الصفر، لتكون بمثابة قدوة عملية ملموسة.
رسالة ختامية لجمهور “الديرة توداي”
في نهاية هذا اللقاء، وجه السويسي رسالة مقتضبة لكنها بليغة: “الحياة قصيرة جداً لكي نضيعها في الحقد أو الكسل. ازرع خيراً في كل مكان تمر به، ولو بكلمة طيبة أو نصيحة صادقة. تذكروا دائماً أن القبول من الله، والنجاح رحلة مستمرة وليس مجرد محطة وصول.”
إن هذه المسيرة هي نموذج حي على أن المحتوى الهادف، رغم هدوئه، يستطيع أن يفرض نفسه في القمة، وأن الثبات على المبادئ هو الأسلوب الأمثل للوصول لقلوب الناس وتوثيق النجاح في سجلات الواقع قبل العالم الافتراضي.







